الشيخ محمد رشيد رضا
260
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
البشر ، ان أريد بالبشر جميع أفرادهم ، وان الحكماء ما زالوا يسعون لجمع البشر على لغة واحدة مشتركة مع علمهم أن ترقى بعض اللغات بترقي أهلها في العلوم والفنون والسياسة والقوة يستحيل معه أن يرغبوا عنها إلى غيرها ، ولم يسع أحد منهم لجمعهم على دين واحد ، وان القرآن الذي شرع توحيد الدين مع شرعه ولغته لجميع البشر قد علمنا أن حكمة اللّه تعالى في خلق الانسان تأبى أن يكون الناس كلهم أمة واحدة تدين بدين واحد ( 11 : 118 وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ ) وإنما دعاهم إلى هذه الرحمة ليقل الشقاء الذي يثيره الخلاف فيهم - هذا الخلاف الذي جعل أعلم شعوب الأرض وأرقاهم في العمران يبذلون في هذا العهد أكثر ما تستغله شعوبهم من ثروة العالم في سبيل الحروب التي تنذر عمرانهم الخراب والدمار دعا الاسلام البشر كلهم إلى دين واحد يتضمن توحيد اللغة وغيرها من مقومات الأمم فكانوا يدخلون فيه أفواجا حتى امتد في قرن واحد ما بين المحيط الغربي إلى الهند ولولا ما طرأ عليه من الابتداع ، وعلى حكوماته من الظلم والاستبداد ، وعلى شعوبه من الجهل والفساد ، والتفرق بالاختلاف ، لدخل فيه أكثر البشر ، ولصارت لغته لغة لكل من دخل في حظيرته من الأمم ، فمن غرائزهم اختيار الأفضل إذا عرفوه قال أحد كبار علماء الألمان في الآستانة لبعض المسلمين وفيهم أحد شرفاء مكة : انه ينبغي لنا أن نقيم تمثالا من الذهب لمعاوية بن أبي سفيان في ميدان كذا من عاصمتنا ( برلين ) قيل له لماذا ؟ قال لأنه هو الذي حول نظام الحكم الاسلامي عن قاعدته الديمقراطية إلى عصبية الغلب ، ولولا ذلك لعم الاسلام العالم كله ولكنا نحن الألمان وسائر شعوب أوربة عربا مسلمين فهل يعقل أن يكون تقرير هذه الأصول التي توحد الأمم والشعوب وتؤلف بينها بما يجمع كلمتهم عليها بالوازع النفسي من الوحي النفسي الذي نبع من نفس محمد صلّى اللّه عليه وسلّم الأمي في سن الكهولة ففاق بها جميع الأنبياء والحكماء أم الأقرب إلى العقل أن تكون بوحي اللّه تعالى أفاضه عليه ؟ ؟